
كلمة السيد عبد الرحمان الدريسي، رئيس لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية، خلال اليوم الدراسي حول مشروع قانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي
كلمة السيد عبد الرحمان الدريسي رئيس اللجنة في اليوم الدراسي حول مشروع قانون رقم 59.24 يتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي المنظم من طرف لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية.
باسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم،
السيد الوزير المحترم،
السيد ممثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المحترم،
السيدات والسادة رؤساء وعمداء الجامعات المحترمين،
السيدات والسادة المستشارين المحترمين،
أيها الحضور الكريم، كل واحد بإسمه وصفته،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
يشرفني أن أتولى رئاسة أشغال هذا اليوم الدراسي الذي تنظمه لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين حول مشروع قانون رقم 59.24 يتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، وذلك في سياق وطني يطبعه الإلتزام بالتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل التعليم العالي والبحث العلمي في صدارة الأولويات الوطنية، باعتبارهما رافعة أساسية للتنمية الشاملة والمستدامة.
إن مشروع هذا القانون يندرج ضمن مسار إصلاحي متكامل، يستند إلى قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ويستحضر التوجهات الاستراتيجية الكبرى التي جاء بها النموذج التنموي الجديد، تنفيذا للرؤية الملكية السديدة التي أكدت في أكثر من مناسبة على ضرورة إصلاح منظومة التعليم، والإرتقاء بجودتها، وربطها بحاجيات ومتطلبات التنمية.
حضرات السيدات والسادة،
نتفق جميعا، ما دمنا قد اجتمعنا في هذه القاعة، على أن إصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والإبتكار ببلادنا مسألة حيوية في الوقت الراهن، وهي مدفوعة أيضا بمتغيرات عديدة تجعل من هذا الإصلاح قضية مصيرية لمغرب الغد، لا سيما تلك المرتبطة بالتحولات التكنولوجية والاستراتيجية الكبرى على المستوى العالمي، والتي تقتضي يقظة علمية على قدر كبير من التبصر، وتحتاج أيضا إلى منظومة ابتكار وطنية متفوقة في المجالات العلمية والتقنية، كما تحتاج إلى قدرة أكبر على إخراج كفاءات حقيقية في المجالات الأدبية والإنسانية والاجتماعية التي يمكن ملاحظة أنها لا تحظى أحيانا بالاهتمام الضروري، بسبب الربط المستمر بين التكوين وسوق الشغل، وهي مسألة ينبغي النظر إليها من زوايا مختلفة.
اعتبارا لذلك، أود إثارة الإنتباه إلى الإختيار التشريعي، الذي تعكف عليه المؤسسة التشريعية، فما هو إلا دعامة في صرح متكامل، يحتاج إلى دعامات أخرى، والرهانات المعقود على نص هذا المشروع قانون، والذي سيترك أمر مناقشته لكم، لا يقل عن الرهان المعقود على السيدات والسادة الأساتذة في المؤسسات الجامعية وعلى المجالس الجامعية والطلبة، إلى جانب القطاع الحكومي الوصي على التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار وباقي المؤسسات والهيئات المتدخلة في هذا القطاع.
لذلك أود تسليط الضوء على بعض العناصر التي يمكن أن تكون أساسية في هذا المجال:
- المسألة الأولى: تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي في قطاع التعليم العالي، ولعل من حسنات مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العالمي، أنه اهتم بمسألة التخطيط المديري للقطاع وكذا وضع استراتيجية وطنية للبحث العلمي والتقني والابتكار.
ويمكن لنا القول بأن من التحديات الأساسية التي يواجهها قطاع التعليم العالي بالمغرب عموما، سواء هم قطاع التربية الوطنية أم التكوين المهني أم التعليم العالي، هو التخطيط الاستراتيجي المتوسط والبعيد المدى، على المستوى المرفقي، أي توفير خدمة التعليم والتكوين المهني والتعليم العالي للمواطنات والمواطنين في مختلف الجهات ووفق لتوزيع منصف وعادل على المستوى البيداغوجي والعلمي الذي يهم التخطيط لمواكبة التطورات العلمية والتقنية في مجال التدريس والبحث العلمي والابتكار.
ونعتقد أن التخطيط على المستوى الوطني أو المديري يجب أن يكون أيضا مقرونا بتخطيط استراتيجي ناجع على مستوى المؤسسات الجامعية، يراعي نجاعة واستدامة مرفق التعليم العالي، وكذلك جودة التكوينات وتنوعها والتوزيع الأمثل للطلبة على هذه التكوينات، وتجاوز الإشكاليات التي يطرحها سواء التوجيه أو التوجيه العشوائي للطلبة، أو ترتكز أعداد كبيرة من الطلبة في بعض التخصصات العلمية دون أخرى.
- المسألة الثانية: تهم توزيع التكوينات الجامعية وجودتها، ومن الجيد أن مشروع القانون يؤكد على استقلالية الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في هذا الباب، ويؤكد على حريتها في المبادرة وفي مختلف مجالات التكوين والبحث العلمي.
هذه الاستقلالية، يمكن النظر إليها كامتياز هام للمؤسسات الجامعية، ولكن أيضا كمسؤولية إضافية، بل تكاد تكون أهم المسؤوليات، بالنظر لما يترتب عن ذلك من إلتزام من قبل المؤسسات الجامعية بتوفير التكوينات المناسبة للطلبة وبجودة عالية، وكذلك تنويع خيارات التكوين المتاحة، حتى تتمكن هذه المؤسسات من استيعاب جميع القدرات واستثمارها بشكل جيد.
- المسألة الثالثة : تهم التعاون بين المؤسسات الجامعية، بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص، وهي تكتسي أهمية على أكثر من مستوى، فإلى جانب تيسير التعاون بين المؤسسات لعمل الأساتذة الباحثين والطلبة على المستوى الوطني، فإن من شأنه أن يمكن المؤسسات الجامعية من مواكبة التحديات القائمة على مستوى التكوين، لا سيما تلك المرتبطة بالإبتكار في المجالات العلمية والتقنية والتكنولوجية، التي تحتاج إلى التوفر على كفاءات في تخصصات نادرة ونقل الكفاءات والخبرات بين المؤسسات الجامعية، هو ما يحتاج إلى وضع إطار تعاقدي مشترك بين المؤسسات الجامعية الوطنية، بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص.
- المسالة الرابعة: تتعلق بالرقمنة، وقد اهتم مشروع القانون بشكل خاص بإحداث المؤسسات الرقمية للتعليم العالي، وإلى جانب ذلك يتعين إيلاء أهمية خاصة لتوفير الخدمات الرقمية لطلبة، بما في ذلك التكوين عن بعد، ووضع فهارس وطنية موحدة للبحوث الجامعية، لاسيما في أسلاك الدكتوراه، وتيسير الإطلاع على البحوث المنجزة بشكل رقمي وتيسير تبادل الخبرات بين الطلبة والباحثين ما بعد الدكتوراه.
- المسألة الخامسة : تهم تعزيز قدرات الطلبة واستثمار الكفاءات ما بعد الدكتوراه، ذلك أن من التحديات الحقيقية التي يواجهها قطاع التعليم العالي غياب الاهتمام، أو عدم الإهتمام على النحو الأمثل، بتعزيز قدرات الطلبة، لا سيما على مستوى المهارات الشخصية، بما في ذلك إتقان اللغات الأجنبية وتنمية ثقافة الحوار والحس النقدي والقدرة على التأثير، لذلك لم يعد من الضروري أبدا وجود طلبة حاصلين على شهادة الدكتوراه لا يجيدون أي لغة غير اللغة العربية أو الأمازيغية، وغير قادرين بالتالي على الإحتكاك بشكل جيد مع الأفكار القادمة من الشرق والغرب، ولا يتمتعون بحس نقدي كاف، وهي مسألة يتعين الاهتمام بها بشكل خاص.
- المسألة السادسة: تهم الإبتكار، فإذا كان عنوان مشروع القانون رقم 59.24 لا يشير إل عبارة "الإبتكار"، فإنه خص هذا الجانب أيضا بقدر من الإهتمام، وفي هذا الباب أود التأكيد على أن الإبتكار هو المهمة الأساسية للأساتذة الباحثين وللطلبة، وهي تحتاج إلى دعم حقيقي وتعبئة أكبر قدر ممكن من التمويل.
وفي الختام، أود التأكيد على أن إصلاح المنظومة التعليمية اليوم يتطلب ضرورة إعادة تشكيل التعليم العالي: من الكلاسيكيات إلى هندسة المستقبل في خطوة استراتيجية تهدف إلى بناء الأمة، بحيث يتطلب الأمر العمل على إصلاح جدري لمنظومتنا الجامعية، وذلك عبر استحداث تخصصات هندسية وتكنولوجية تتماشى مع متطلبات التنمية وحاجيات سوق الشغل، حيث يجب إعادة تعريف جوهر التعليم نفسه وربطه مباشرة بالإبتكار والإنتاج الصناعي.
ولهذا، فلابد من رفع نسبة توجيه طلاب الجامعات إلى التخصصات العلمية والهندسية وخاصة هندسة الذكاء الإصطناعي والأمن السيبراني المتقدم، وهندسة الروبوتات الذكية وتكنولوجيا الطاقة الجديدة.
ولهذا، فإن اللحظة تتطلب:
1. بناء كوادر تكنولوجية قادرة على الابتكار الذاتي.
2. ربط الجامعات مباشرة بالاقتصاد والانتاج الصناعي.
3. تأهيل الأساتذة وتحديث البنية التحتية الجامعية بما يضمن الجودة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والإبتكار.
أيها السيدات والسادة،
إن هذا اللقاء الهام يشكل فضاء مؤسساتيا للنقاش الرصين وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين، قصد تعميق النظر في مضامين مشروع هذا القانون، واستشراف آفاق تنزيله، وتقديم مقترحات عملية تساهم في تجويده وضمان انسجامه مع التوجيهات الملكية السامية، وقانون الإطار، كذلك مع توجهات النموذج التنموي الجديد.
وإذ تتولى لجنتنا الموقرة رئاسة أشغال هذا اليوم الدراسي، فإنها تؤكد إلتزامها باستثمار مخرجاته وتوصياته في مسار دراسة مشروع القانون داخل مجلس المستشارين بما يخدم المصلحة العامة ويرتقي بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي ببلادنا.
وهكذا، فإنني أتقدم بجزيل الشكر والتقدير للسيد رئيس مجلس المستشارين، والسيد الوزير ولكافة المشاركات والمشاركين على حضورهم ومساهمتهم القيمة، متمنيا لأشغال هذا اليوم الدراسي كامل التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
