كلمة السيد محمد ولد الرشيد خلال الجلسة الإفريقية الخاصة لمنتدى مراكش الاقتصادي البرلماني

كلمة السيد محمد ولد الرشيد في الجلسة الإفريقية الخاصة حول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وسلاسل القيمة الأورو-إفريقية

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

السيدات و السادة

الحضور الكريم؛

يسعدني أن ألتقي بكم مجددا في رحاب هذه الجلسة الخاصة لمناقشة موضوع يكتسي أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لقارتنا الإفريقية، ويتعلق ب"منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وربط سلاسل القيمة الأورو-إفريقية"، باعتبارهما من أبرز رهانات بناء فضاء إفريقي مندمج قائم على الإنتاج المشترك، والاستثمار المتبادل، وتعزيز الصمود الاقتصادي في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

السيدات والسادة؛

كما تعلمون، يستيقظ كل صباح ما يقارب عشرين مليون شاب إفريقي بحثا عن فرصة عمل تليق بطموحاتهم؛ لا لأن قارتنا فقيرة، بل لأنها لم تنجح بعد في تحويل إمكاناتها الهائلة إلى قيمة مضافة وفرص حقيقية. إن هؤلاء الشباب يتطلعون، بكل تأكيد، إلى إفريقيا قادرة على أن تكون فضاءً للحياة والاستقرار، لا مجالا للهجرة والانتظار.

ولعل أحد الدروس التي تؤكدها النظرية الاقتصادية والتجارب التنموية الناجحة، هو أن الاندماج الاقتصادي وتعزيز التجارة البينية يشكلان المدخل الأكثر فعالية لتحرير هذا الإمكان الإفريقي. ومن هذا المنطلق، فإن بناء فضاء إنتاجي أورو-إفريقي مشترك، قائم على الإنتاج المشترك والاندماج الصناعي والاستثمار المتبادل والتموقع الفعال داخل سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، يعد من أبرز روافع تحسين الإنتاجية وتحويل المؤهلات الديمغرافية والطبيعية لقارتنا إلى قوة اقتصادية مولدة للفرص والتنمية.

غير أن ثمة رقما ينبغي أن يقلقنا جميعا: فالتجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز اليوم 15% من إجمالي تجارة القارة، مقابل نحو 70 % في أوروبا، و 60 % في آسيا. وهي فجوة تعكس محدودية اندماجنا الاقتصادي، وتحرم القارة من مكاسب وفرص تنموية هائلة.

وفي مقابل هذه الفجوة الراهنة، تمتلك قارتنا اليوم كل مقومات الريادة؛ إذ نتحدث عن فضاء اقتصادي يضم 1.4 مليار نسمة، والذي سيحتضن بحلول سنة 2050 ربع سكان العالم وأكثر من ثلث قوته العاملة، بما يؤهلها لأن تكون أحد المحركات الأساسية للنمو العالمي خلال العقود المقبلة. وتؤكد تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا والبنك الدولي أن التطبيق الكامل والفعال لمنطقة التجارة الحرة القارية كفيل وحده بإضافة ما يقارب 450 مليار دولار إلى دخل القارة، وانتشال نحو 30 مليون شخص من الفقر المدقع، فضلا عن مضاعفة المبادلات التجارية البينية.

وإذ نسجل بارتياح ما تحقق في كيغالي سنة 2018 من وضع للأساس القانوني لهذه المنطقة، والذي صادق عليه دول القارة، فإن التحدي الفعلي اليوم أمامنا كبرلمانات، يكمن في تسريع وتيرة التنفيذ، وردم الفجوة بين الالتزام السياسي والاندماج الاقتصادي الملموس.

السيدات والسادة؛

ينبغي أن نقر بوضوح، أنه لم يعد مقبولا أن تملك إفريقيا أشمل منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول الأعضاء، ثم نظل نتحدث عن اندماج اقتصادي  لم يبلغ بعد عشر قدراته الكامنة. إن الإطار القانوني قائم، والإرادة السياسية معلنة؛ وما ينقصنا اليوم هو الانتقال إلى مربع التنفيذ. فإفريقيا لا ينبغي أن تظل مجرد فضاء لتصريف السلع واستخراج الموارد الأولية، بل عليها أن تكرس موقعها كقطب اقتصادي صاعد، تتقاطع داخله رهانات الأمن الطاقي والغذائي والرقمي واللوجستي، بما يواكب انتظارات شعوبها ويستجيب لطموحات دولها.

وتزداد الحاجة إلى هذا الانتقال في ظل السياق الدولي الراهن، الذي يشهد إعادة تشكيل جذرية لسلاسل الإمداد العالمية، وتصاعدا لافتا للميول الحمائية وإعادة توطين الصناعات. وهي تطورات، بقدر ما تحمل من تحديات، فإنها تفتح أمام قارتنا فرصا استثنائية قد لا تتكرر؛ وتبرز في هذا الإطار الأهمية الاستراتيجية لتأسيس فضاء إنتاجي أورو-إفريقي مشترك، يقوم على ردم الفجوة بين المنصات الصناعية الأوروبية والمقدرات الإفريقية الهائلة، ويربط سلاسل القيمة بين ضفتي المتوسط وفق منطق الإنتاج المشترك، وتقاسم الثروة المضافة. فلا يخفى ان المستثمرين الأوروبيين يبحثون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عن منصات إنتاجية قريبة جغرافيا، وتنافسية من حيث الكلفة والإنتاجية. وهنا تبرز إفريقيا، بثروتها الديمغرافية الفتية، ومقدراتها المعدنية والطاقية والزراعية المتجددة، لتؤكد أنها تملك كل المقومات  لصياغة هذا البديل العالمي الجديد، وتأمين مرونة سلاسل الإمداد الأورو-إفريقية المشتركة.

ويتطلب هذا الأفق الاستراتيجي معالجة ثلاثة تحديات مركزية وهيكلية؛ أولها تحدي الربط والبنيات التحتية، إذ لا يستقيم الحديث عن سلاسل قيمة أورو-إفريقية متكاملة دون استثمار مستدام في الموانئ الحديثة، والممرات التجارية، والربط السككي، واللوجستيك الرقمي والطاقي. وثانيها تحدي التمويل، عبر ابتكار أدوات مرنة لردم الفجوة التمويلية الكبيرة وتعبئة المؤسسات المالية القادرة على مواكبة المشاريع المشتركة العابرة للحدود وسلاسل القيمة العابرة للقارات. وثالثها تحدي التقارب التنظيمي والتشريعي، وكذا التفكيك الحازم للتدابير غير الجمركية وتبسيط قواعد المنشأ، وكل ما من شأنه كبح انسيابية المبادلات البينية.

السيدات والسادة؛

بالنسبة لنا في المغرب، يستند هذا الطموح القاري المشترك إلى رؤية ملكية راسخة قوامها أن مستقبل إفريقيا يظل رهينا بقدرة أبنائها الجماعية على تحويل الإمكانات المشتركة إلى قوة إنتاجية وتنموية متكاملة. وقد ترجمت هذه الرؤية إلى مسار عملي متكامل تثبته الوقائع والأرقام. فالمغرب يعد اليوم من بين أكبر المستثمرين الأفارقة داخل القارة، بحضور متنامٍ في قطاعات استراتيجية ذات قيمة مضافة عالية، كالأبناك، والتأمين، والاتصالات، والأسمدة، والبنيات التحتية. كما تجاوزت المبادلات التجارية المغربية الإفريقية 56 مليار درهم، بنمو ناهز الـ 50 بالمئة في غضون عقد واحد، في تجسيد ملموس لمنطق الشراكة المتوازنة والتكامل الإنتاجي.

غير أن المغرب لا ينظر إلى هذا التموقع بمنظور تجاري صرف، بل باعتباره التزاما تمليه مسؤوليته التاريخية وموقعه على تقاطع الفضاءات؛ بين الشمال الأورو-متوسطي والعمق الإفريقي. وفي هذا السياق، تؤكد أحدث التقارير الدولية أن المملكة تعد من أكثر اقتصادات المتوسط اندماجا في سلاسل القيمة الإقليمية، مستندة إلى المركب المينائي "طنجة المتوسط"، أكبر ميناء في المتوسط، والمرتبط بأكثر من 180 ميناء عبر العالم، بما يجعله منصة استراتيجية لخدمة سلاسل القيمة القارية وتنافسيتها.

ويجسد هذا التوجه نموذجان بارزان.  أولهما؛ صناعة السيارات المغربية، التي تجاوزت صادراتها 158 مليار درهم، محولة المملكة إلى أول مصدر في القارة، عبر ربط متزايد بين الكفاءات ومكونات الإنتاج الإفريقية والأسواق الأوروبية. وثانيهما؛ المنظومة الصناعية للمكتب الشريف للفوسفاط، التي تغطي اليوم أكثر من نصف احتياجات القارة من الأسمدة، وتطور مشاريع صناعية وفلاحية مشتركة في عدد من الدول الإفريقية الشقيقة، بما يرسخ أسس الأمن الغذائي ويعزز سلاسل القيمة الزراعية والصناعية داخل القارة.

إن هذه الدينامية تعكس رؤية مغربية تعتبر التكامل الإفريقي خيارا استراتيجيا ومصلحة قارية مشتركة، وهو ما يترجم اليوم في مشاريع مهيكلة كبرى، في مقدمتها أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، باعتباره مشروعا طاقيا استراتيجيا و رافعة للتكامل القاري، إلى جانب المبادرة الملكية الأطلسية لفائدة دول الساحل، والمبادرة الإفريقية الأطلسية، بما تفتحانه من آفاق جديدة لربط القارة بفضائها الأطلسي وتعزيز اندماجها في سلاسل التجارة والاستثمار العالمية,

السيدات والسادة؛

ندرك تماما كمشرعين أن مسؤوليتنا في بلوغ أهداف منطقة التجارة الحرة القارية وربطها بسلاسل القيمة الأورو-إفريقية تظل محورية، وغير قابلة للتفويض. فنجاح هذا المشروع القاري يمر، بالدرجة الأولى، عبر قدرتنا على مواءمة القوانين الوطنية، وتفكيك العوائق غير الجمركية، وتوفير الأمن القانوني للاستثمارات، وإرساء آليات فعالة للتتبع والمساءلة، إلى جانب سن تشريعات تشجع الإنتاج المشترك، وتفتح الأسواق البينية، وتعزز القيمة المضافة المحلية.

ويضع مجلس المستشارين بالمملكة المغربية كامل طاقته وعلاقاته وخبرته التشريعية في خدمة هذا الطموح القاري المشترك. كما نؤكد، بمعية شركائنا الأفارقة، استعدادنا الكامل لمواصلة العمل الجماعي من أجل بناء فضاء إفريقي أكثر اندماجا، وأكثر قدرة على الإنتاج المشترك، وترسيخ مقومات التنمية والصمود الاقتصادي,

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.