كلمة رئيس مجلس المستشارين بمناسبة انعقاد الجلسة الخاصة المشتركة لمجلسي البرلمان بخصوص اخر التطورات التي تعرفها القضية الوطنية الأولى

كلمة السيد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين بمناسبة انعقاد الجلسة الخاصة المشتركة لمجلسي البرلمان بخصوص اخر التطورات التي تعرفها القضية الوطنية الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛

السيدات والسادة أعضاء مجلسي البرلمان المحترمون؛

حضرات السيدات والسادة؛

نجتمع اليوم في لحظة دقيقة ومفصلية، من تاريخ قضيتنا الوطنية الأولى، لحظة نستحضر فيها، قبل كل شيء أن وراء المواقف الدبلوماسية والقرارات الدولية قضية وطن، وذاكرة شعب، وتضحيات أجيال، وإرادة أمة، لا تقبل التفريط في وحدتها الترابية.

وهي مناسبة، لنعبر فيها عن بالغ اعتزازنا وتقديرنا لمضامين بلاغ الديوان الملكي، بما عكسه من وضوح في الرؤية، وبعد نظر، وبالانتقال من منطق تدبير النزاع إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات، التي ظلت تحكم مسار قضيتنا الوطنية.

حضرات السيدات والسادة

لقد شكلت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الركيزة الأساسية في توجيه هذا المسار، وتحقيق ما راكمته قضيتنا الوطنية من مكاسب سياسية ودبلوماسية نوعية.

وخلال هذه السنة وحدها، أعلن الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي، وانضمت دول جديدة من شمال العالم وجنوبه، ومن شرقه وغربه، إلى مساندة موقف بلادنا.

 وتعززت هذه الدينامية مساء الجمعة بتأييد أحد عشر عضوا من مجلس الأمن، لمشروع قرار كان يروم إعادة النظر في مهام البعثة الأممية، وجعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات وللحل النهائي.

ولئن حالت الطبيعة الخاصة للتصويت داخل مجلس الامن دون اعتماد هذا المشروع، فإن التأييد الذي حظي به يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية، مفادها:

أن المنتظم الدولي، حين خير بين الجمود والحل، لم يختر الجمود، وإنما اتجه نحو واقعية ومصداقية موقف بلادنا بما قدمه من مبادرات، تضع حدا لعقود من الانتظار وإطالة أمد النزاع.

وكل ذلك، هو ثمرة لدبلوماسية حكيمة يقودها جلالة الملك نصره الله بنفس طويل، دبلوماسية تعرف متى تتكلم، ومتى تنصت،  ومتى تترك للزمن أن يصدع بالحق.

 وإذ نعبر عن اعتزازنا بهذه المكتسبات الهامة، فإننا نتوجه بخالص الشكر وعميق التقدير إلى أشقائنا وأصدقائنا عبر العالم، وإلى مختلف الدول والحكومات والبرلمانات والاتحادات البرلمانية والمؤسسات التي عبرت عن دعمها ومساندتها للمغرب، في قضيتنا الوطنية.

وإننا إذ نقدر عاليا هذه المواقف، ونعتبرها تأكيدا على الثقة في جدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ندعو الأطراف الأخرى إلى مراجعة المواقف التي أسهمت في إطالة أمد الجمود، والتفاعل بمسؤولية وواقعية، بعيدا عن منطق المماطلة وإدامة الوضع القائم.

 حضرات السيدات والسادة؛

إن من أبرز مقومات موقف بلادنا، ما يجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية، وما يجسده الحضور الفعلي لأبناء الصحراء المغربية في قلب المؤسسات الدستورية للمملكة، وفي مختلف مستويات تدبير الشأن العام.

وهي شرعية تاريخية تجد أساسها، في روابط البيعة والولاء، التي جمعت القبائل الصحراوية وشيوخها بالسلاطين والملوك العلويين الميامين.

وقد تعززت هذه الروابط بالممارسة الديمقراطية والتمثيل الانتخابي، في مسار متواصل من المشاركة السياسية، توجته الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، بتسجيل أقاليمنا الجنوبية أعلى نسب المشاركة على الصعيد الوطني، في تعبير عميق عن رسوخ انتمائهم الوطني، وانخراطهم في بناء مستقبلهم، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

  حضرات السيدات والسادة؛

وفي ظل هذه التطورات، تمضي بلادنا بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى الاجماع الوطني، وتلاحم شعبنا حول ثوابت الأمة، ومتمسكة بالتزامها بالسلم وبوقف إطلاق النار، وحازمةَ، في الآن ذاته، في صيانة سيادتها، وسلامة ووحدة أراضيها، وأمن مواطنيها، بكل ما يقتضيه ذلك من قوة واقتدار.

ومن صميم هذا الإجماع الوطني، تبرز مسؤولية المؤسسة البرلمانية في مواكبة هذه الدينامية، بما تفرضه على ممثلي الأمة من تكثيف ومضاعفة الجهود على ثلاث مستويات أساسية:

أولا: تعزيز الدبلوماسية البرلمانية الثنائية والمتعددة الأطراف، ومواصلة انخراط مجلسي البرلمان، في دعم الجهود التي تقودها الدبلوماسية الرسمية دفاعا عن قضيتنا الوطنية.

ثانيا: تعزيز الجاهزية التشريعية للبرلمان، لمواكبة مختلف التطورات التي تعرفها القضية الوطنية.

ثالثا، مواصلة التعبئة الوطنية وتقوية جبهتنا الداخلية، التي شكلت على امتداد هذه المسيرة، سندا أساسيا للدفاع عن وحدتنا الترابية باعتبارها قضية جامعة وحاضنة، تتجاوز الاختلافات السياسية والحزبية، وتلتقي حولها المؤسسات وكل القوى الوطنية الحية.

 

هذه التعبئة الوطنية، حضرات السيدات والسادة.. التي كنت ولا أزال جزءا منها، كواحد من أبناء الأقاليم الجنوبية للمملكة، هي ما تجعلني أرى في المستجدات الأخيرة، أكثر من مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، أرى فيها فتح أفق جديد نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية؛

وإن هذا الأفق الذي نتطلع إليه، ينبغي أن يحمل معه وضع حد لمعاناة إخواننا في مخيمات تندوف.

لقد نشأ جيل كامل تحت خيام قيل إنها مؤقتة ولا ينبغي أن ينشأ تحتها جيل آخر.

والعودة إلى الوطن ليست هزيمة لأحد، وإنما رجوع إلى بيت ظلت أبوابه مفتوحة، للمشاركة في مواصلة النهضة التنموية التي تشهدها الصحراء المغربية، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.

حضرات السيدات والسادة؛

وفي الختام، فإن ما نعيشه اليوم يدعونا إلى أن نستحضر بكل إجلال شهداء الوحدة الترابية، والتضحيات الجسام التي قدمتها قواتنا المسلحة الملكية، المرابطة على حدود الوطن دفاعا عن حوزته.

كما نستحضر ما تبذله مختلف أجهزتنا العسكرية والأمنية، من درك ملكي وأمن وطني وقوات مساعدة ووقاية مدنية وسلطات محلية، من جهود متواصلة في أداء واجبها الوطني، والسهر على أمن المواطنين، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.