كلمة رئيس مجلس المستشارين في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا

كلمة السيد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا

  • الحمد لله والصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
  • السيدةكانديا كاميسوكوكامارا،رئيسة مجلس الشيوخ بجمهورية كوت ديفوار الصديقة،رئيسة جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا،
  • السيدات والسادة رئيسات ورؤساء وأعضاء مجالس الشيوخ للبرلمانات والشبكات الافريقية؛
  • السادة رؤساء وأعضاء الاتحادات البرلمانية بأمريكا اللاتينية والكراييب،
  • السيدات والسادة، الحضور الكريم.

يسعدني، في مستهل هذه الكلمة، أن أرحب بكم جميعا في العاصمة الرباط، متمنيا لكم مقاما طيبا في بلدكم الثاني المملكة المغربية، ومعبرا لكم عن بالغ اعتزازنا باحتضان مجلس المستشارين لمؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا.

كما يسعدني، أن أرحب باسمكم جميعا بأصدقائنا من أمريكا اللاتينية والكراييب من رؤساء وأعضاء كل من برلمان أمريكا اللاتينية والكراييب، وبرلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية، وبرلمان دول الأنديز، والذي يجسد حضورهم  معنا اليوم  إرادة مشتركة لتعزيز الحوار البرلماني بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية بما يعزز فرص التنمية والاستقرار والتكامل بين شعوبنا.

السيدة الرئيسة، تتذكرون، أنه، قبل أقل من سنتين، التأم في ياموسوكــرو، وبدعوة كريمة منكن، رئيسات ورؤساء وممثلي المجالس العليا للبرلمانات الإفريقية، حيث كان السؤال المطروح آنذاك هو: كيف يمكن الارتقاء بمجالسنا من مؤسسات تشريعية تعمل كل منها في نطاقها الوطني، بتصور وصوت مستقلين، إلى فضاء برلماني تكاملي قادر على تنسيق الجهود وتحقيق المواكبة البرلمانية الفعالة في صياغة ملامح المستقبل الإفريقي المشترك؟.

وقد أفرزت تلك اللحظة نقاشا حيويا رفيعا، عكس وعيا جماعيا متقدما بحجم التحولات التي تعرفها القارة، وبالحاجة إلى تطوير أدوار المجالس العليا، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع هذه التحولات، والمساهمة في تأطيرها، في إطار من الحنكة وحسن التدبير اللذان ميزا مسار الجمعية منذ تأسيسها.

وعلى ضوء ما أسفر عنه هذا النقاش من تصورات مشتركة، ومن إدراك جماعي لحدود الاشتغال المنفرد، انبثقت جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا كجواب مؤسساتي لهذا الطموح المشترك، وكإطار إفريقي جامع ومنتظم للتشاور، وتبادل الخبرات، وتنسيق المبادرات، في أفق تعزيز حضورها وفعاليتها داخل منظوماتها الدستورية.

وقد شكل لقاء نصف الولاية ببرازافيل دليلا آخر على حيوية جمعيتنا الفتية، وعلى صدق الإرادة التي أوجدتها، وليؤكد أن هذه الدينامية لم تكن مجرد تعبير ظرفي، بل مسارا مؤسساتيا يتعزز تدريجيا، ويعكس إرادة مشتركة في الارتقاء بالعمل البرلماني الإفريقي إلى مستوى التحديات المطروحة.

واليوم، تحتضن الرباط هذا اللقاء، في سياق يتجه فيه عمل جمعيتنا نحو مزيد من الانتظام والتقارب بين المجالس العليا الإفريقية، في امتداد طبيعي لالتزام المملكة المغربية بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بدعم العمل الإفريقي المشترك، وتعزيز التضامن والتكامل بين شعوب القارة.

السيدة  الرئيسة،

حضرات السيدات والسادة،

إن موضوع مؤتمرنا، المتعلق بـ"مساهمة المجالس العليا للبرلمانات في ترسيخ الديمقراطية والحفاظ على السلام في إفريقيا"، يعكس وعيا متزايدا بأهمية الأدوار التي تضطلع بها مجالس الشيوخ والمجالس العليا، ليس فقط على مستوى التشريع وباقي الوظائف البرلمانية، بل أيضا في ترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل البناء الدستوري.

وهي أدوار تجد أساسها فيما تتيحه هذه المجالس من إمكانات مؤسساتية لتجويد النصوص والسياسات، وتعزيز اتساقها مع متطلبات الواقع وإكراهاته، وتقوية قابليتها للتنزيل وفعاليتها على المدى المتوسط والبعيد، من ناحية؛

ومن ناحية ثانية، من خلال تمثيليتها الواسعة، التي تضمن إدماج الأبعاد الترابية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية داخل النقاش العمومي، وما ينفتح عن ذلك من إمكانات تسهم في استيعاب التباينات وتأطيرها، وتعزز الاستقرار وتماسك المجتمعات، وترسخ الثقة في العمل العمومي، من خلال تمثيلية أوسع ..وإنصات أكبر .. وقدرة على مواكبة التحولات المجتمعية؛

وإذا كانت هذه الأدوار تمنح مجالس الشيوخ والمجالس العليا مكانة متقدمة داخل البناء الدستوري والمؤسساتي، فلأنها تتصل، في العمق، برهانات أوسع تهم ترسيخ الديمقراطية، والاسهام في تهيئة الشروط السياسية والمؤسساتية اللازمة للتنمية والسلم.

ذلك أن الديمقراطية والسلم، لا يبدوان مسارين منفصلين، بل يتعززان بقدر ما تتعزز فيه قدرة المؤسسات البرلمانية على التمثيل، بما يفتح أمام القارة أفقا رحبا.

وضمن هذا الأفق والتوجه القائم على تعزيز العمل الإفريقي المشترك، يندرج الالتزام الإفريقي الراسخ للمملكة المغربية، الذي يقوده صاحب الجلالة، حفظه الله، من أجل ترسيخ نموذج إفريقي قائم على الربط الوثيق بين التنمية والسلم.

فمن خلال أكثر من 50 زيارة ملكية إلى بلدان إفريقية، وتوقيع مئات الاتفاقيات الاستراتيجية، أرست المملكة المغربية مقاربة متجددة للتعاون جنوب–جنوب، تقوم على الاستثمار المنتج، ونقل الخبرات، وبناء شراكات متكافئة.

وهو ما أكده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في رسالته السامية إلى المشاركين في الدورة السنوية الخامسة لمنتدى كرانس مونتانا بالداخلة، حين قال جلالته: "إن التزام المغرب من أجل إفريقيا، ومن أجل تعاون جنوب-جنوب مثمر، ليس نتاج ظرفية معينة، ولا مصالح ضيقة. فمنذ اعتلائنا عرش المملكة، ما فتأنا ندعو إلى تضامن فعال وأخوي ومفيد بشكل متبادل، لأننا نعتبر قارتنا الإفريقية واجبنا ومسؤوليتنا، وفرصتنا".

السيدة الرئيسة، حضرات السيدات والسادة،

ختاما، إننا نتطلع إلى أن يشكل مؤتمرنا هذا محطة هامة في مسيرة جمعيتنا، سواء من خلال إعلان الرباط الذي سيجسد خلاصات ومخرجات نقاشنا الجماعي حول دور المجالس العليا في ترسيخ الديمقراطية وصون السلام، أو عبر التوصيات العملية المنبثقة عن تقاسم تجاربنا وممارساتنا الفضلى في مجالات العمل البرلماني، فضلا عما ستفضي إليه من قرارات مؤسسية ترسخ بنيان الجمعية، وتؤطر مرجعيات عملها، وتحدد معالم المرحلة القادمة من مسيرتها.

مرة أخرى أرحب بكم في بلدكم الثاني المملكة المغربية، متمنيا لمؤتمرنا هذا كامل النجاح والتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.